ابن رشد
198
تهافت التهافت
يعرف غيره من الجهة التي بها ذلك الغير أخس وجودا لئلا يرجع المعلول علة والأشرف وجودا أخس وجودا لأن العلم هو المعلوم ولم ينفوه من جهة أنه يعلم ذلك الغير بعلم أشرف وجودا من العلم الذي نعلم نحن به الغير بل واجب أن يعلمه من هذه الجهة لأنها الجهة التي من قبلها وجود الغير عنه . وأما النظر في جواز كثرة المعلومات في العلم الأزلي فمسألة ثانية وقد ذكرناها ولم يفر القوم من أجل هذه المسألة إلى القول بأنه لا يعرف إلا ذاته كما توهم هذا الرجل بل من أجل ما قلنا وهو بالجملة لئلا يشبه علمه علمنا الذي في غاية المخالفة له . فابن سينا إنما رام أن يجمع بين القول بأنه لا يعلم إلا ذاته ويعلم سائر الموجودات بعلم أشرف مما يعلمها به الإنسان إذ كان ذلك العلم هو ذاته وذلك بين من قوله أن علمه بنفسه وبغيره بل بجميع الأشياء هو ذاته وإن كان لم يشرح هذا المعنى كما شرحناه ولذلك ليس قوله هذا هو عين التناقض ولا استحيا منه سائر الفلاسفة بل هو قول جميعها أو اللازم عن قول جميعهم وإذا تقرر هذا لك فقد بان لك قبح ما جاء به هذا الرجل من الحمل على الحكماء مع ما يظهر من موافقة الرجل لهم في أكثر آرائهم . قال أبو حامد : مجيبا عن الفلاسفة : فإن قيل : إذا ثبت أنه يعرف نفسه مبدأ على سبيل الإضافة ، فالعلم بالمضافين واحد ، إذ من عرف الابن عرفه بمعرفة واحدة ، وفيه العلم بالأب وبالأبوة والبنوة ضمنا فيكثر المعلوم ويتحد العلم فكذلك هو يعلم ذاته مبدأ لغيره فيتحد العلم وإن تعدد المعلوم . ثم إذا عقل هذا في معلول واحد وإضافته إليه ولم يوجب ذلك كثرة ، فالزيادة فيما لا يوجب جنسه كثرة لا توجب كثرة . وكذلك من يعلم الشيء ويعلم علمه بالشيء فإنه يعلمه بذلك العلم فكل علم هو علم بنفسه وبمعلومه فيتعدد المعلوم ويتحد العلم . ويدل عليه أيضا أنكم ترون أن معلومات اللّه تعالى لا نهاية لها وعلمه واحد ولا تصفونه بعلوم لا نهاية لأعدادها . فإن كان تعدد المعلوم يوجب تعدد ذات العلم فليكن في ذات اللّه تعالى علوم لا نهاية لأعدادها وهذا محال . ثم قال أبو حامد مجيبا لهم : قلت : مهما كان العلم واحدا من كل وجه لم يتصور تعلقه بمعلومين بل يقتضي ذلك كثرة ما على ما هو وضع الفلاسفة واصطلاحهم في تقدير الكثرة حتى بالغوا فقالوا : لو كان للأول ماهية موصوفة بالوجود لكان ذلك كثرة . فلم يعقلوا شيئا واحدا له حقيقة ثم يوصف بالوجود ، بل زعموا أن الوجود مضاف إلى الحقيقة ، وهو غيره فيقتضي كثرة فعلى هذا الوجه لا يمكن تقدير علم يتعلق بمعلومات كثيرة إلا ويلزم فيه نوع كثرة أجلى وأبلغ من